13.6.07

الفرح من حقوق البشر... والعراقيين أيضا

عندما يكون الحديث عن حقوق الإنسان فإن الخصم في ذلك قد يكون في كثير من الأحيان هو الإنسان نفسه لأن أحد أنواع الظلم هو ظلم الإنسان لنفسه. والشعوب بتكوينها النفسي وثقافتها وعاداتها وتقاليدها تظلم نفسها كثيراً, نعم .. تظلم نفسها أحياناً ظلماً يفوق أي ظلم خارجي يقع عليها.
من القضايا التي تطرح عند كل العرب وكل المسلمين في كل مناسبة محاولات جادة ومخلصة ومثابرة في كثير من الأحيان لقتل الفرح أو أي محاولة لاصطناع الفرح أو حتى لاقتناص جزء يسير منه.
قضية هي في منتهى
الغرابة وتضع عدداً من علامات الاستفهام ولا بد من الوقوف عندها والكلام عنها بما أنها تطرح على كل الأصعدة، ابتداء من القنوات الفضائية ومنتديات الإنترنت وانتهاء ببعض خطباء العيد أو بمجالسنا الخاصة، وبهذا التكرار الممل على ضعف في منطقها.
ذلك حين يقول لنا بعض إخواننا، ليسوا فقط ممن يتبنون الطرح الإسلامي ، بل وغيرهم كيف لنا أن نفرح بالعيد السعيد ونحن نرى إخواننا في بلدنا العراق وفي فلسطين ولبنان يقتلون ويذبحون ويعيشون في حال من الذل والهوان والفقر؟
بالتأكيد يهمنا العراق وقبلها فلسطين ذلك الجرح النازف من خمسين سنة متدفقاً من خاصرة الأمة، لكن إن لجسدك عليك حقا وإن لأهلك عليك حقا وإن لولدك عليك حقا وإن لنفسك عليك حقا. من حقنا أن نفرح حتى وإن كنا نعلم علم اليقين أن أبناء عمومتنا يتألمون. هناك عدد لا يحصى من العظماء الذين وجدوا في ظروف صعبة وأزمات سياسية خطيرة فناضلوا من أجل قضاياهم طوال حياتهم لكنهم تزوجوا وأنجبوا ولم يتزوجوا قضاياهم. هذه قضايانا ولن نتنازل عنها أبداً لكن هذا لا يعني أن تنتهي عندها الحياة في كل بلد من بلدان العرب. كما أن الأمر لا يقف على العراق وفلسطين، فلو فرضنا أن هاتين القضيتين الشائكتين اللتين حارت فيهما عقول كل حكماء السياسة حلتا، فهل سينتهي الأمر عند هذا الحد ؟ فهناك بلدان أخرى فيها مسلمون يعانون من مشاكل سياسية وقد تجشموا عناء محاولات انفصالية في الشيشان وفي الفلبين.
ولو فرضنا أن كل المسلمين عاشوا في حالة معقولة من الاستقرار الأمني والاقتصادي فإنه لا يجوز من الناحية الأخلاقية أن نقف هنا. هناك أخ لنا في الإنسانية يعاني من الجوع والفقر في إفريقيا وتفتك به الأمراض بلا معين وهناك بلاد دمرتها الزلازل وقضت البيوت على رؤوس ساكنيها
وبالتالي لا يجوز لنا ولا لأطفالنا أن نفرح في أيام العيد ولا في غيرها من الأيام بل يجب أن نتشح جميعا بالسواد ونمارس شيئا من اللطم مع تناول القهوة المرة.
نصرة المظلومين والمقهورين لا تكون هكذا. هذه الطريقة في التفكير هي طريقة سلبية نائحة لا تسمن ولا تغني من جوع. بل هي الحل الأمثل للخائر الضعيف الذي لا يجد أفضل من الدموع ليقدمها كطعام للجائعين وعزاء للأرامل.
الفرح حق من حقوق الإنسان لا يجادل فيه إلا نحن العرب والمسلمون. من حق الإنسان في أيام العيد أن يتوقف عن مشاهدة قنوات الأخبار التي تبث مع صباح العيد الباكر صور المقصوفين والمقتولين والنائحات.
إنه من حقنا كبشر أن نخرج ولو قليلاً خارج حدود ثقافة الحزن ومواويل الموت لنسرق لحظة سعادة، لنتحدث باسترخاء دون أن يذكر أحد موضوعاً يثير التشنج ويتعب الأعصاب. إنه من حقنا في مثل هذه الأيام أن نحيي بعض الاحتفالات والعروض المبهجة والمضحكة وأن نخرج بأطفالنا ونسائنا جميعاً غير مفرقين إلى أماكن الاحتفالات هذه. ولو أخذنا بالاعتبار حجم أي مدينة عراقية وعدد سكانها فسنجد أننا بحاجة إلى الكثير من هذه المهرجانات التي نحتاجها للفرح، فالرقم والسعة بوضعه الحالي لا يكفي. لكن قبل هذا كله يجب أن ننافح بقوة عن حقنا في الفرح والبهجة ضد أعداء الفرح.
أضحكني وأفرحني أحد أقاربي مرة عندما قال لي في ذات عيد:

بالله عليك ما الفرق عندنا بين العيد والعزاء، ففي كليهما نجلس جلسات طويلة ونتحدث بأحاديث الهم والغم أمام شاشات الفضائيات البائسة المليئة بمناظر الموت مع شرب القهوة ثم نقوم إلى الطعام نملأ به بطوننا ونعود إلى دورنا مسطولين !!!..